ابن الجوزي

138

صفة الصفوة

وحقّ لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا ، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم ، وحقّ لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا ، وإن اللّه تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئه ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأخاف أن لا ألحق بهم ، وإن اللّه تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ، ورد عليهم أحسنه ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغبا راهبا ، لا يتمنى على اللّه ، ولا يقنط من رحمة اللّه . فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك ، وإن أنت ضيّعت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت ، ولست تعجزه . وعن عائشة قالت : لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال : انظروا ما ذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي ، فنظرنا فإذا عبد نوبّي « 1 » كان يحمل صبيانه ، وإذا ناضح « 2 » كان يسقي بستانا له ، فبعثنا بهما إلى عمر . قالت : فأخبرني جدي أن عمر بكى وقال : رحمة اللّه على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعبا شديدا . وعنها قالت : لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهد ثم قال : « أما بعد يا بنية ، فإن أحب الناس غنى إلي بعدي أنت ، وإن أعز الناس علي فقرا بعدي أنت ، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا « 3 » من مالي فوددت واللّه أنك حزته وإنما هو أخواك وأختاك . قالت : قلت : هذان أخواي فمن أختاي ؟ قال : ذو بطن ابنة خارجة فإني أظنها جارية . وفي رواية قد ألقي في روعي أنها جارية فولدت أم كلثوم . وعنها قالت لما ثقل أبو بكر قال : أي يوم هذا ؟ قلنا : يوم الاثنين . قال : فإني أرجو ما بيني وبين الليل قالت : وكان عليه ثوب عليه ردع من مشق فقال : إذا أنا مت فاغسلوا ثوبي هذا وضموا إليه ثوبين جديدين وكفنوني في ثلاثة أثواب فقلنا :

--> ( 1 ) نسبة إلى منطقة النوبة جنوبي مصر . ( 2 ) الناضح : البعير الذي يستقى عليه والأنثى ناضحة وسانية ( انظر مختار الصحاح للرازي ص 664 ) . ( 3 ) الوسق ستون صاعا ، وهي ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز .